الغزالي

62

إحياء علوم الدين

كتاب الفقر والزّهد وهو الكتاب الرابع من ربع المنجيات من كتب إحياء علوم الدين بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي تسبّح له الرمال ، وتسجد له الضلال ، وتتدكدك من هيبته الجبال . خلق الإنسان من الطين اللازب والصلصال ، وزين صورته بأحسن تقويم وأتم اعتدال ، وعصم قلبه بنور الهداية عن ورطات الضلال ، وأذن له في قرع باب الخدمة بالغدوّ والآصال . ثم كحل بصيرة المخلص في خدمته بنور العبرة حتى لاحظ بضيائه حضرة الجلال ، فلاح له من البهجة والبهاء والكمال ما استقبح دون مبادى إشراقه كل حسن وجمال ، واستثقل كل ما صرفه عن مشاهدته وملازمته غاية الاستثقال ، وتمثل له ظاهر الدنيا في صورة امرأة جميلة تميس وتختال ، وانكشف له باطنها عن عجوز شوهاء عجنت من طينة الخزي وضربت في قالب النكال ، وهي متلففة بجلبابها لتخفى قبائح أسرارها بلطائف السحر والاحتيال ، وقد نصبت حبائلها في مدارج الرجال ، فهي تقتنصهم بضروب المكر والاغتيال ، ثم لا تجتزئ معهم بالخلف في مواعيد الوصال ، بل تقيّدهم مع قطع الوصال بالسلاسل والأغلال ، وتبليهم بأنواع البلايا والأنكال . فلما انكشف للعارفين منها قبائح الأسرار والأفعال زهدوا فيها زهد المبغض لها فتركوها وتركوا التفاخر والتكاثر بالأموال ، وأقبلوا بكنه هممهم على حضرة الجلال واثقين منها بوصال ليس دونه انفصال ، ومشاهدة أبدية لا يعتريها فناء ولا زوال . والصلاة على سيدنا محمد سيد الأنبياء وعلى آله خير آل أما بعد : فإن الدنيا عدوّة لله عز وجل ، بغرورها ضلّ من ضلّ ، وبمكرها زلّ من زل فحبها رأس الخطايا والسيئات ، وبغضها أم الطاعات وأسّ القربات . وقد استقصينا ما يتعلق بوصفها وذم الحب لها في كتاب ذم الدنيا من ربع المهلكات ، ونحن الآن نذكر فضل البغض لها والزهد فيها فإنه رأس المنجيات . فلا مطمع في النجاة إلا بالانقطاع عن الدنيا والبعد منها لكن مقاطعتها إما أن تكون بانزوائها عن العبد ويسمى ذلك فقرا ، وإما بانزواء العبد عنها